تفعيل التنبيهات

تحكم كامل في وصول الإشعارات إليك

إصدار التسعيرة الجديدةتنبيه عند تحديث الأسعار
إشعارات الأخبارتنبيه عند نشر أخبار هامة
إشعارات البلدان
الأردن
🇯🇴
السعودية
🇸🇦
الإمارات
🇦🇪
مصر
🇪🇬
الكويت
🇰🇼
قطر
🇶🇦
البحرين
🇧🇭
عُمان
🇴🇲

بين تهويل "العالم الافتراضي للتحرش" وصلابة القيم الأردنية.. هل يظلم "الترند" المجتمع المحافظ؟

نشر: 11:28 2026-02-10 • تحديث: 11:33 2026-02-10
بين تهويل "العالم الافتراضي للتحرش" وصلابة القيم الأردنية.. هل يظلم "الترند" المجتمع المحافظ؟
  • إن ما يشهده الأردن من حوادث تحرش هي "فقاعات" تظهر على سطح نهر صاف
  • المجتمع الأردني يؤكد أن قضايا التحرش حالات فردية وليست ظاهرة
  • قانون العقوبات المعدل يشدد العقوبات على جرائم التحرش في الأردن

لم يكن المجتمع الأردني يوما مجتمعا منفلتا أو فاقدا لبوصلته الأخلاقية؛ فعلى مدار عقود طويلة، شكلت القيم المحافظة، والمنظومة العشائرية الرصينة، والوازع الديني المتجذر، سياجا منيعا حمى النسيج الاجتماعي من كثير من الأمراض السلوكية التي فتكت بمجتمعات أخرى.

ومع ذلك، طفا على السطح في الآونة الأخيرة نقاش صاخب -غذته منصات التواصل الاجتماعي- حول ملف "التحرش"، وصل بالبعض إلى حد وصم المجتمع بأنه يعاني من "ظاهرة" متفشية.

هذا التقرير الموسع يأتي ليضع النقاط على الحروف، وليعيد توصيف المشهد بدقة وموضوعية، بعيدا عن التهويل الإعلامي أو التعميم الجائر، مثبتا بالتحليل الاجتماعي والواقعي أن ما يشهده الأردن هو "حالات فردية"، مهما تعددت أشكالها، فهي لا تعدو كونها استثناء يؤكد قاعدة "العفة والمحافظة" التي تسم الغالبية العظمى من الأردنيين.

تحرير المصطلح.. لماذا ليست "ظاهرة"؟

قبل الخوض في التفاصيل، لا بد من وقفة علمية عند تعريف "الظاهرة الاجتماعية". في علم الاجتماع، توصف السلوكيات بأنها ظاهرة عندما تكون:

  • ممارسة جماعية: تقوم بها نسبة كبيرة وملحوظة من أفراد المجتمع.
  • متقبلة ضمنيا: أي أن المجتمع بات يتعايش معها ولا يلفظها.
  • مؤسسية: تؤثر على سير الحياة اليومية بشكل جذري.

بإسقاط هذه الشروط على الواقع الأردني، نجد أن وصف التحرش بـ "الظاهرة" هو وصف يفتقر إلى الدقة، وذلك للأسباب التالية:

الرفض المجتمعي القاطع: إن ردة الفعل العنيفة والغاضبة التي يبديها الشارع الأردني تجاه أي فيديو أو خبر يتعلق بحادثة تحرش، هي الدليل الأكبر على أن الجسد المجتمعي "يلفظ" هذا الورم ولا يتقبله.

لو كانت ظاهرة، لمرت الأخبار مرور الكرام دون استهجان.

نسبة الحدوث مقارنة بعدد السكان: في وطن يعيش فيه أكثر من 11 مليون إنسان، تظهر بين الفينة والأخرى عشرات أو حتى مئات القضايا سنويا.

رغم ألمها، إلا أنها بلغة الأرقام تبقى ضمن نطاق "الانحرافات الفردية" وليست سلوكا عاما.

خداع "العالم الرقمي".. كيف صنعت "السوشيال ميديا" الوهم؟

لعبت التكنولوجيا دورا مزدوجا وخطيرا في تشكيل الصورة الذهنية لهذا الملف.

  • تأثير "المجهر" : تقوم منصات التواصل الاجتماعي بتسليط الضوء على حادثة فردية واحدة، ويتم تداولها ملايين المرات خلال ساعات. هذا التكرار الكثيف يخلق لدى المتلقي "وهم الكثرة" . المواطن يرى الفيديو 50 مرة على صفحات مختلفة، فيعتقد أن هناك 50 حادثة، بينما هي حادثة واحدة فقط.
  • خوارزميات الفضائح: تعمل خوارزميات مواقع التواصل على إبراز المحتوى "المستفز" و"الصادم" لأنه يجلب التفاعل. لذا، تختفي قصص الشهامة والنبل التي تحدث يوميا في شوارع الأردن، وتتصدر قصة متحرش واحد المشهد، مما يعطي صورة مغلوطة عن واقع الشارع.
  • الجيوش الإلكترونية والأجندات: لا يمكن إغفال وجود بعض الحسابات الوهمية التي تتعمد إعادة نشر فيديوهات قديمة أو مفبركة لغايات تهدف إلى تشويه سمعة المجتمع وضرب منظومته القيمية.

المجتمع الأردني.. حصن الفضيلة المنيع

إن القول بأن التحرش "ظاهرة" هو تجاهل متعمد لطبيعة التركيبة النفسية والاجتماعية للفرد الأردني.

ثقافة "العيب" و"النخوة": لا يزال مفهوم "العيب" يشكل حاكما قويا للسلوك. في الأردن، يعتبر الاعتداء على حرمة الطريق أو إيذاء فتاة "سقطة رجولية" لا تغتفر عشائريا واجتماعيا.

في كثير من الحالات، يتدخل المارة في الشارع لحماية الفتاة وردع المتحرش قبل وصول رجال الأمن، وهذا دليل على أن "المناعة المجتمعية" لا تزال بخير.

  • الوازع الديني: تلعب التربية الدينية (إسلامية ومسيحية) دورا محوريا في كبح جماح النفس. المساجد والكنائس والمدارس لا تزال تضخ قيم العفة وغض البصر، وهي قيم متأصلة في وجدان الشباب الأردني، مما يجعل المنحرفين عنها قلة شاذة.
  • الأسرة الممتدة: رغم التحولات الحديثة، لا تزال العائلة تمارس دور "الرقيب الاجتماعي". الخوف من "تلويث سمعة العائلة" يشكل رادعا داخليا أقوى من أي قانون لدى الكثيرين.

أنواع "الانحرافات الفردية" وأسبابها المركبة

إذا اتفقنا على أنها حالات فردية، فلا بد من الاعتراف بوجودها وتنوعها، لكن ضمن سياق تحليل الأسباب التي دفعت هذه "القلة" للخروج عن النص المجتمعي.

1. التحرش اللفظي (تعليقات الشوارع):

  • الواقع: هي الأكثر حدوثا، لكنها غالبا ما تصدر عن فئات عمرية محددة (مراهقين) أو ذوي مستوى تعليمي وتربوي متدن.
  • السبب: الفراغ القاتل. الشاب الذي يقف على ناصية الطريق ليضايق المارة هو غالبا شاب يعاني من البطالة، وفقدان الهدف، وغياب الحاضنة الثقافية أو الرياضية التي تستثمر طاقته.

2. التحرش الإلكتروني (الوجه الجديد للانحراف):

  • الواقع: ارتفعت وتيرته بسبب سهولة التخفي خلف الشاشات.
  • السبب: "الصدمة الرقمية". الانفتاح المفاجئ وغير المدروس على عالم الإنترنت، دون وجود "حصانة تربوية" كافية، جعل البعض يعتقد أن الفضاء الإلكتروني ساحة مباحة بعيدة عن أعين الرقابة المجتمعية، متأثرين بمحتوى غربي أو دخيل لا يناسب قيمنا.

3. التحرش المهني (استغلال السلطة)

  • الواقع: حالات محدودة تحدث في الغرف المغلقة.
  • السبب: ضعف الوازع الأخلاقي لدى بعض المسؤولين، مع استغلال حاجة البعض للعمل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. هنا يلعب "العامل الاقتصادي" دورا ضاغطا.

4. العامل النفسي وتأخر الزواج

لا يمكن إنكار أن الظروف الاقتصادية الصعبة، وتأخر سن الزواج، قد خلقت نوعا من "الكبت" غير المبرر لدى فئة قليلة من الشباب، الذين لم يمتلكوا القوة النفسية والإيمانية للصبر والتعفف، فلجؤوا إلى تفريغ هذا الكبت بأساليب منحرفة ومرفوضة.

القانون الأردني.. سيف العدالة في وجه المنحرفين

مما يدحض فكرة أن المجتمع متساهل مع هذه الظاهرة، هو التشدد القانوني الواضح من الدولة الأردنية. قد أجريت تعديلات جوهرية على قانون العقوبات (المادة 306)، حيث تم تغليظ العقوبات لتصل إلى الحبس المشدد، ولم تعد عقوبة "الغرامة" وحدها كافية.


اقرأ أيضا: "وعي قانوني متزايد".. 25% من المطلوبين يستجيبون لإشعارات "التنفيذ القضائي" طوعيا.. وأرقام موحدة للاستفسار


كما أن "وحدة الجرائم الإلكترونية" التابعة للأمن العام تعمل بليل ونهار لتتبع كل من تسول له نفسه ابتزاز فتاة أو التحرش بها إلكترونيا، وتحقق نسب ضبط عالية جدا، مما يؤكد أن الدولة بأجهزتها لا تتهاون مع هذه "الحالات الفردية" وتتعامل معها بحزم لمنع تحولها إلى ظاهرة.

خطورة التعميم.. من يدفع الثمن؟

إن الإصرار على وصف الأردن ببؤرة للتحرش ينطوي على مخاطر كبيرة:

تشويه السمعة السياحية

الأردن بلد سياحي يعتمد على سمعته كواحة أمن وأمان واحترام للضيف. الترويج لهذه الافتراءات يضر بالقطاع السياحي ويخيف الزوار دون وجه حق.

  • ظلم الرجل الأردني: فيه إجحاف كبير بحق الشاب والرجل الأردني المعروف بشهامته وغيرته على العرض. التعميم يجعل الكل متهما حتى يثبت العكس، وهو ما يخلق حالة من "الاحتقان بين الجنسين داخل المجتمع.
  • إحباط المجتمع: تكرار وصم المجتمع بالسوء يولد شعورا باليأس والإحباط لدى المصلحين، ويعطي المنحرفين شعورا زائفا بأنهم "الكثرة الغالبة".

نحو معالجة هادئة للاستثناءات

إن ما يشهده الأردن من حوادث تحرش هي "فقاعات" تظهر على سطح نهر صاف؛ سببها دخول شوائب ثقافية أو ضغوط اقتصادية على نفوس هشة.

إن الاعتراف بوجود هذه الحالات هو الخطوة الأولى لعلاجها، لكن يجب أن يكون العلاج بحجم المرض، لا أكبر منه. المطلوب اليوم ليس جلد الذات ولا شيطنة المجتمع، بل تعزيز مناعته من خلال:

  • التربية الأسرية المتوازنة التي تزرع في الذكر أن "الرجولة حماية لا اعتداء".
  • التوعية الإعلامية المسؤولة التي لا تبحث عن "الترند" على حساب الحقيقة.
  • تطبيق القانون بحزم على كل متجاوز ليكون عبرة لغيره.

سيبقى الأردن، بمخزونه الحضاري والقيمي، عصيا على الانجراف وراء هذه السلوكيات الدخيلة، وستبقى هذه الحوادث مجرد "هوامش" سوداء في صفحة مجتمع أبيض، محافظ، وأصيل.