إخفاق المونديال يعري العقلية وغياب الهوية الإنجليزية

- هروب من المراجعة وتأجيل غير مبرر
كشف الخروج المرير للمنتخب الإنجليزي من نصف نهائي كأس العالم 2026 على يد الأرجنتين عن أزمة متجذرة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر ونتائج المباريات العابرة؛ إذ بات واضحا أن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم يعاني من غياب رؤية استراتيجية وهوية كروية وطنية واضحة، مثبتا للعالم أن تدفق الأموال الطائلة والتعاقد مع كبار المدربين لا يكفيان وحدهما لصناعة منتخب قادر على اعتلاء منصات التتويج وحصد الألقاب الكبرى.
اقرأ أيضا: من حوض استحمام بسيط إلى صراع نهائي المونديال.. يامال يسعى لتجريد ميسي من لقبه
في الوقت الذي كان يتعين فيه على مسؤولي اللعبة في إنجلترا فتح ملف مراجعة شاملة وعميقة لأسباب الفشل كما تفعل الاتحادات الكروية الكبرى جاء رد فعل الاتحاد الإنجليزي باهتا ومخيبا.
فبعد بيان مقتضب ومستهلك أكد فيه أن "اللاعبين وتوماس بذلوا كل ما لديهم"، تشير الكواليس إلى أن أي مراجعة جدية أو تغيير في الخطط ليس مطروحا للنقاش أساسا.
لا يزال الرهان داخل أروقة الاتحاد كاملا على المدرب الألماني توماس توخيل، مع قناعة راسخة بأنه الرجل القادر على قيادة إنجلترا للقب بطولة أوروبا 2028 على أرضها.
غير أن هذا التأجيل المستمر للنقاشات الجوهرية يحمل في طياته خطرا حقيقيا؛ إذ يلوح في الأفق بوادر تضرر علاقة توخيل باللاعبين، خصوصا بعدما ظهر الفريق بأفكار تكتيكية متواضعة وبسيطة لا تليق بمدرب وصف بالعبقري التكتيكي، مما حرم هذا الجيل من فرصة تاريخية وعرضه لانتقادات ضمنية تمس ثقته بنفسه.
عدالة كروية: المال لا يشتري مجدا دوليا
يعيش المحيطون بمعسكر "الأسود الثلاثة" حالة من التحسر والظلم القدري، مع شعور بأن لعنة غياب الألقاب ستتمدد لـ 62 عاما على الأقل.
لكن في عمق هذا الفشل تتبدى "عدالة كروية" يرفض الكثير من الإنجليز الاعتراف بها؛ فمن الإيجابي لكرة القدم الدولية ألا يفوز أحد أغنى الاتحادات في العالم بمجرد قدرته المادية على التعاقد مع أغلى مدرب متاح في السوق.
لقد استنسخ الاتحاد الإنجليزي عقلية الأندية التجارية القائمة على مبدأ: "إذا واجهتك مشكلة، فاشتر حلا لها ولا تفكر فيها بعمق". ورغم أن بريطانيا نجحت عبر "خطة تطوير أداء اللاعبين النخبة" في بناء منظومة إنتاج مواهب مبهرة باتت محل إعجاب العالم، إلا أن هذه الخطة ظلت معزولة وتفتقر للاندماج ضمن رؤية وطنية شاملة تحدد السمات الكروية المستمدة من الثقافة الإنجليزية؛ كالإيقاع والقوة اللذين يتميز بهما الدوري الممتاز، وهي الفكرة التي تحدث عنها توخيل بإقناع لكنه عجز تماما عن تطبيقها على أرض الواقع باستثناء ومضات عابرة.
الدروس المستفادة من التجربتين الإسبانية والأرجنتينية
تظهر الأزمة التكتيكية الإنجليزية بوضوح عند مقارنتها بالهوية الراسخة لمنتخبات أخرى؛ فإنجلترا ما زالت عاجزة تاريخيا عن إنتاج لاعب الوسط القادر على التحكم بإيقاع اللعب، وتخسر دائما عند أول مواجهة ضد خصم من الوزن الثقيل، تماما كما حدث في أعوام 1998 و2010 و2016.
مفارقة تدريبية: إن المدربين اللذين أطاحا بإنجلترا من آخر بطولتين كبريين للرجال، واللذين وصلا لنهائي مونديال 2026 (ليونيل سكالوني ولويس دي لا فوينتي)، هما من نوعية المدربين الذين لا يفكر الاتحاد الإنجليزي بالتعاقد معهم لغياب بريق دوري الأبطال عن سيرهم الذاتية، لكن قيمتهم الحقيقية تكمن في معرفتهم العميقة بثقافة بلادهم؛ فدي لا فوينتي على سبيل المثال أشرف على معظم لاعبي إسبانيا منذ الصغر، مما خلق انسجاما وهوية مفقودة تماما في المعسكر الإنجليزي.
وفي الوقت الذي يملك فيه الإنجليز نسخة محلية تشبه دي لا فوينتي، متمثلة في المدرب لي كارسلي الذي قدم كرة واضحة الهوية خلال مبارياته الست السابقة، فضل الاتحاد بريق الأسماء العالمية.
إن الإشكال الحقيقي في النهاية لا يتعلق بجنسية توخيل، بل بعجز القائمين على كرة القدم الإنجليزية عن امتلاك تصور واضح للمنتخب، مما يجعل إخفاقهم الحالي أمرا مستحقا بامتياز حتى يتعلموا أن الذهب لا يشترى بالمال بل بالهوية.





